هل التلاعب بأوقات الدوام الرسمي في سجل الحضور والانصراف
يعد تزويراً؟
الحمد
لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه ومن تبعهم
بإحسان إلى يوم الدين، اما بعد:
فالموظف مؤتمن على عمله، ومن ذلك تقيده
بالتوقيع في سجل الدوام الرسمي وضبطه لزمن حضوره الفعلي وتسجيله ذلك في خانة
الوقت، فما يتقاضاه الموظف من أجر فهو مقابل عمله فالقاعدة تقول: (فالأجر مقابل العمل) وهذه قاعدة شرعية دلت عليها نصوص الكتاب
والسنة واستندت عليها كثيراً من الأنظمة كنظام الخدمة المدينة، ونظام العمل وغيره كالأنظمة
التأديبية.
ولعل البعض يستغرب من إيراد مثل هذا التساؤل، وذلك
نظراً لفشو مثل ذلك بين الموظفين سواء في القطاعات او المؤسسات الحكومية او
الاهلية – إلا من رحم الله – وشيوع التنمر على من يتقيد بالتوقيع بالوقت الفعلي
لحضوره، وجري ذلك مجرى العادة ايضاً في التوقيع بدون انكار، حتى كأنه أصبح من المسلمات.
ولبيان الحكم
الشرعي والنظامي حول هذا التساؤل بدقة لابد من الاتيان على بعض المصطلحات كمدخل للمسألة
وذلك لتصحيح لبعض المفاهيم المغلوطة:
مصطلحات ذات صلة:
- مفهوم التزوير في اللغة: لكي نتمكن من الوقوف على معنى التزوير لا بد
من معرفة ماهيته:
" التزوير لغة
يعني: فعل الكذب والباطل، ومنه تشبيه غير الأصل بأصله بالتهيئة والتحسين للإيهام
... " [المحيط في اللغة: 9/81]
وفي المعجم الوسيط "
زور الكلام: زخرفه وموهه، وزور الكلام في نفسه: هيأه وحضره، ومنه زور إمضاءه أو
توقيعه: قلده " [1/408]
فمهوم التزوير في اللغة أوسع وذلك لان لفظه
يندرج تحته كل ما من شأنه طمس الحقيقية والتلاعب بها او الايهام بأمر يغايراً ولا
يطابق الحقيقة على خلاف الواقع،
- مفهوم التزوير في الفقه والنظام:
" وأصل الزور تحسين
الشيء، ووصفه بخلاف صفته، حتى يخيل إلى من يسمعه أو يراه، أنه خلاف ما هو به ... "
[تفسير الطبري 19/314]
" والتزوير:
هو العبث بوثيقة مكتوبة أو تقليد التواقيع أو الأختام أو غيرها بهدف الغش أو الاحتيال،
وتتضمن أنواع التزوير: التوقيع تحت اسم شخص آخر إما على شيك أو على وصية أو عقد أو
أوراق الهوية والشهادات العلمية وغيرها، وهي جريمة محرمة في الإسلام لما يترتب
عليها من إبطال حق وإثبات باطل وقد قال تعالى: {فاجتنبوا الرجس من الأوثان
واجتنبوا قول الزور} ... " [الفقه الميسر 13/ 74].
وقد توسعت اقوال الفقهاء
لمفهوم التزوير وذلك طبقاً لما كان عليه التعامل في وقتهم وازمانهم ... ويجمع ذلك
كله فيما كان من شأنه تغيير الحقيقة مما ينافي المقاصد الشريعة، فالتزوير: ظلم، وتعدي،
وغش، ومنافي للعدل والإنصاف.
اما في النظام السعودي فقد جاء في النظام الجزائي لجرائم
التزوير الصادر بالمرسوم الملكي رقم ( م/11 ) في 18/2/1435هـ تعريف التزوير
بأنه : " كل تغيير للحقيقة بإحدى
الطرق المنصوص عليها في هذا النظام ـ حدث بسوء نية ـ قصداً للاستعمال فيما يحميه
النظام من محررٍ أو خاتمٍ أو علامةٍ أو طابعٍ، وكان من شأن هذا التغيير أن يتسبب
في ضرر مادي أو معنوي أو اجتماعي لأي شخص ذي صفة طبيعية أو اعتبارية
"
- تعريف المحرر: وقد جاء في النظام المشار إليه سابقا
بتعريف المحرر بأنه: " كل مسطور يتضمن حروفاً أو
علامات ينتقل بقراءتها الفكر إلى معنى معين بصرف النظر عن الوعاء الذي كتبت أو
حفظت فيه، بما في ذلك وسائل تقنية المعلومات ".
فكل تغيير للحقيقة في بيانات محر ما يعد تزويراً،
ومن ذلك التلاعب بأوقات الدوام في سجل الدوام الرسمي وعدم كتابة الوقت الفعلي
لحضور الموظف لمقر عمله وانصرافه منه.
فتوى:
وقد سئل شيخنا الامام ابن باز -رحمه الله:
" موظف في إحدى الدوائر يحافظ على دوامه باستمرار، فإذا دخل سجل في دفتر
الحضور وقت حضوره الذي جاء فيه، ولكن هناك مجموعة من زملائه يسجلون أوقاتا خاطئة؛
فيحضر أحدهم الساعة السابعة مثلا ويكتب السادسة والنصف، أو ما شابه ذلك. وبالتالي
فإن هؤلاء الموظفين المخادعين يحصلون على مميزات وأمور بسبب تزويرهم في التوقيع،
ويحرم منها هذا بسبب أنه حتى إذا تأخر سجل تأخره، فهل يصح أن يفعل مثلهم؟ وما
موقفه منهم؟ وما حكم المدير الذي يتساهل في هذه الأمور؟ وهل تعارفهم واعتيادهم
عليه يبيح هذا الفعل؟ وجزاكم الله خيرا، فأجاب – رحمه الله: " الواجب على كل مسلم أداء
الأمانة والحذر من الخيانة في العمل، وفي الحضور والغياب وفي كل شيء، والواجب عليه
أن يسجل الوقت الذي دخل فيه، والوقت الذي خرج فيه، حتى يبرئ ذمته، والواجب على
المسئول عنهم أن ينصحهم ويوجههم إلى الخير، ويحذرهم من الخيانة، والله ولي التوفيق ". [مجموع فتاوى الشيخ ابن باز 19/356]
تجريم التزوير في المحررات الرسمية ( كسجل الدوام
الرسمي )
جاء
في النظام الجزائي لمكافحة التزوير في المادة ( 2 /و ) ما نصه : "و-تضمين المحرر واقعة غير
صحيحة بجعلها تبدو واقعةً صحيحة، أو ترك تضمين المحرر واقعةً كان الفاعل عالماً
بوجوب تضمينها فيه ."فكل وثيقة تتضمن بيانات مكتوبة او مطبوعة
أو مصورة توافر فيها عنصر الشكل و عنصر المصدر و عنصر المضمون مما يثبت أن المحرر بحالته صالح
للأثبات ولإحداث أثر قانوني ، ومن ذلك سجل الدوام الرسمي لانصراف وحضور الموظفين
لمقر أعمالهم .
وقد جاء بالمادة ( 16 ) من النظام الجزائي لمكافحة التزوير عقوبة ذلك:
" من زوّر في محرر معدّ لإثبات حضور الموظف إلى عمله أو انصرافه منه؛ يعاقب
بالسجن مدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر وبغرامة لا تزيد على ثلاثين ألف ريال، أو بإحدى
هاتين العقوبتين"
|
كتبه :
يوسف بن عيد
|
تم المقصود والله الحمد والمنة .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق